( الأمة لا تعيش بلا تاريخ )



بقلم : أ. خالد الدعجاني

بدأ تاريخ هذه الأمة عندما بزغ فجر الإسلام، وولدت حضارتها وولد مجدها عندما ولد محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لهذه الأمة حضارة ذات شأن ولم يكن لها مجد يشار إليه بالبنان، حتى بعث الله خاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم بهذه الرسالة العظيمة، وبهذا النور المبين، وبهذه الحضارة السماوية التي غيرت وجه البسيطة، وحولت اتجاه البشرية من مجاري الجهل والشقاء إلى سبيل السعادة والرخاء، وأخرجت الإنسانية جمعاء من ظلمتها، وأنقذتها من وهدتها، وهدتها من حيرتها، ودفعت بها إلى طريق الخير والصلاح، وقد لبى الصحابة -رضوان الله عليهم- دعوة نبيهم فحملوا الرسالة من بعده، وأخذوا الكتاب بقوة ونشروا راية الإسلام، فسموا بالحياة وسمت بهم الحياة، وسار على نهجهم بعد ذلك القادة الأبطال، والعلماء الأحرار، والأفذاذ من هذه الأمة يبثون دعوتهم وينشرون العدل ويحققون السلم والمساواة ويدعون إلى العلم والهداية، وأصبح سلطان الأرض في قبضة الموحدين لسلطان السماء، وتحقق بذلك وعد الله لعباده المؤمنين.
ولقد حفظ التاريخ للمسلمين أمجاداً عظيمة ومفاخر عديدة وذكريات غالية ومعارك وفتوحات غيرت مجرى التاريخ، ودفعت بالمسلمين إلى اعتلاء قمة المجد والعز والسلطان، فكانوا سادة الأرض وأساتذتها، وكان منهم مثل البشرية العليا في الفضائل والمفاخر .

والحديث عن تاريخ المسلمين وعن أمجادهم وانتصاراتهم هو حديث عن مدى ما يفعله الإيمان في هدم عروش الكفر والضلال، وحديث عن مدى ما تفعله الروح المعنوية القوية للمؤمن بفكرته في الحصول على النصر والظفر، وحديث عن السماحة والحلم وعن العلم والتشريع وعن الحضارة والخير والعدالة الاجتماعية.

لقد صنع العرب المسلمون التاريخ وفتحوا الدنيا بتوفيق من الله وإيمان به، فتحوا بلاد الهند والسند وبلاد فارس وما وراء نهري جيحون وسيحون وآسيا الصغرى وفتحوا بلاد الأندلس فصارت منارة العلم وأرقى مناطق العالم حضارة، بل كان لها الفضل الجليل على أوروبا وحضارة الغرب، يقول غوستاف لوبون في “حضارة العرب” : “كان للحضارة الاسلامية تأثير عظيم في العالم، وإن هذا التأثير خاص بالعرب وحدهم، فلا تشاركهم فيه الشعوب الكثيرة التي اعتنقت دينهم، وأن العرب هذبوا البرابرة بتأثيرهم الخلقي، وأنهم الذين فتحوا لأوربا ما كانت تجهله من عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية بتأثيرهم الثقافي فكانوا ممدنين لنا وأئمة لنا ستة قرون”.

أضاء المسلمون العالم بأمجادهم وحققوا الانتصارات العظيمة وقدموا التضحيات الجسيمة وخاضوا المعارك الفاصلة، إنهم أبطال بدر واليرموك والقادسية ونهاوند وملاذ كرد والزلاقة وحطين وعين جالوت، وما هذه إلا صفحات من تاريخنا دونها بإيمانهم وإخلاصهم آباؤنا الأولون.
ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت
لنا رغبة أو رهبة عظماؤها
ما كان مجد أعظم من مجدنا ولا تاريخ أحفل بالنصر والفضل والنبل من تاريخنا، لقد هدمنا صروح الشر والجهل وبنينا صروح الخير والعلم وأسسنا خير حضارة عرفتها البشرية، فما بال فلول منا يكفرون بهذا التاريخ ويعتدون بأصوات منكرة على هذا المجد وينشرون ما يزعزع إيماننا بتاريخنا، ويصرفنا عن أمجاد أمتنا !

إن ما صنعه الأوائل لهي ذكريات تملأ النفس فرحاً وإيماناً، وتثير في القلب بواعث المجد والعزة والعظمة، فلم تكن فتوحاتهم للأمصار فتوحات عسكرية كما يزعم البعض، فما فتحوها للقتل والتدمير ولا للسلب والنهب ولا للاستبداد والاستعباد؛ بل لنشر دين الله وليشاركوا أهل هذه الأمصار في الخير والعيش والحياة.

أيها الأحرار، الأمة لا تعيش بلا تاريخ، فاقرأوا تاريخكم المجيد، واذكروا أحداثه الماضية، واملأوا القلوب بأسرارها، واعلموا أنه ليس من سبيل إلى ما وصل إليه الأوائل من عزة ومجد إلا أن نستن سننهم وأن نسير في طريقهم وأن ننسج على منوالهم وعندئذ يكون لنا بوعد الله ما كان لهم من عزة ومجد وكرامة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


مواضيع ذات صلة بـ ( الأمة لا تعيش بلا تاريخ )

جميع الحقوق محفوظة صحيفة الراية الإلكترونية ©

تصميم وبرمجة شركة الفنون لحلول الويب
التخطي إلى شريط الأدوات